صديق الحسيني القنوجي البخاري

457

فتح البيان في مقاصد القرآن

اللّه تعالى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [ البقرة : 253 ] ويستعار آثر للفضل والإيثار للتفضيل . وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ أي وإن الشأن كذلك ، قال أبو عبيدة : خطأ وأخطأ واحد ، وقال الأزهري : المخطىء من أراد الصواب فصار إلى غيره . ومنه قولهم المجتهد يخطئ ويصيب والخاطىء من تعمد ما لا ينبغي ، قالوا هذه المقالة المتضمنة للاعتراف بالخطأ والذنب استجلابا لعفوه واستجذابا لصفحه ، وقيل آثر لفظ خاطئين على مخطئين موافقة لرؤوس الآي . قالَ لا تَثْرِيبَ التثريب التعيير والتوبيخ أي لا لوم عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ قال الأصمعي : ثربت عليه قبحت عليه فعله ، وقال الزجاج : المعنى لا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة وحق الأخوة ولكم عندي الصفح والعفو ، وأصل التثريب الإفساد وهي لغة أهل الحجاز ، وقال ابن الأنباري : معناه قد انقطع عنكم توبيخي عند اعترافكم بالذنب . قال ثعلب : ثرب فلان على فلان إذا عدد عليه ذنوبه وأصل التثريب من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش ، ومعناه إزالة التثريب كما أن التجليد والتقريع إزالة الجلد والقرع أي لا تثريب مستقر أو ثابت عليكم . وقد جوز الأخفش الوقف على عَلَيْكُمُ فيكون اليوم متعلقا بالفعل الذي بعده وقد ذكر مثل هذا ابن الأنباري عن عكرمة قال لا تثريب لا تعيير ، وأخرج أبو الشيخ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال لما فتح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة التفت إلى الناس فقال ما ذا تقولون وماذا تظنون فقالوا : ابن عم كريم فقال لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللّه لكم . ثم دعا لهم بقوله يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ على تقدير الوقف على اليوم وهو بمنزلة التعليل أو أخبرهم بأن اللّه قد غفر لهم ذلك اليوم على تقدير الوقف على عليكم وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ يرحم عباده رحمة لا يتراحمون بها فيما بينهم فيجازي محسنهم ويغفر لمسيئهم . قال عطاء الخراساني : طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها عند الشيوخ ألم تر إلى قول يوسف عليه السلام لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وقال يعقوب سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي . أقول وفي هذا الكلام نظر فإنهم طلبوا من يوسف عليه السلام أن يعفو عنهم لقولهم لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا فقال لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ لأن مقصودهم صدور العفو منه عنهم وطلبوا من أبيهم يعقوب أن يستغفر اللّه لهم وهو لا يكون إلا بطلب